الشوكاني

515

فتح القدير

الولد ، وبالركن الشديد : من ينصره من غير ولده وقيل أراد بالقوة : قوته في نفسه ، ولما سمعته الملائكة يقول هذه المقالة ووجدوا قومه قد غلبوه وعجز عن مدافعتهم ( قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ) أخبروه أولا أنهم رسل ربه ثم بشروه بقولهم ( لن يصلوا إليك ) وهذه الجملة موضحة لما قبلها ، لأنهم إذا كانوا مرسلين من عند الله إليه لم يصل عدوه إليه ولم يقدروا عليه ، ثم أمروه أن يخرج عنهم فقالوا له ( فأسر بأهلك بقطع من الليل ) قرأ نافع وابن كثير بالوصل ، وقرأ غيرهما بالقطع ، وهما لغتان فصيحتان ، قال الله تعالى - والليل إذا يسر - وقال - سبحان الذي أسرى - وقد جمع الشاعر بين اللغتين فقال : حي النضير وربة الخدر * أسرت عليه ولم تكن تسري وقيل إن أسرى للمسير من أول الليل ، وسرى للمسير من آخره ، والقطع من الليل : الطائفة منه . قال ابن الأعرابي : بقطع من الليل : بساعة منه ، وقال الأخفش : بجنح من الليل ، وقيل بظلمة من الليل ، وقيل بعد هدو من الليل . قيل إن السرى لا يكون إلا في الليل ، فما وجه زيادة بقطع من الليل ؟ قيل لو لم يقل بقطع من الليل لجاز أن يكون في أوله قبل اجتماع الظلمة ، وليس ذلك بمراد ( ولا يلتفت منكم أحد ) أي لا ينظر إلى ما وراءه ، أو يشتغل بما خلفه من مال أو غيره . قيل وجه النهي عن الالتفات أن لا يروا عذاب قومهم ، وهول ما نزل بهم فيرحموهم ويرقوا لهم ، أو لئلا ينقطعوا عن السير المطلوب منهم بما يقع من الالتفات ، فإنه لابد للملتفت من فترة في سيره ( إلا امرأتك ) بالنصب على قراءة الجمهور ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالرفع على البدل ، فعلى القراءة الأولى امرأته مستثناة من قوله ( فأسر بأهلك ) أي أسر بأهلك جميعا إلا امرأتك فلا تسر بها ، ف‍ ( إنه مصيبها ما أصابهم ) من العذاب ، وهو رميهم بالحجارة لكونها كانت كافرة ، وأنكر قراءة الرفع جماعة منهم أبو عبيد وقال : لا يصح ذلك إلا برفع يلتفت ويكون نعتا ، لأن المعنى يصير إذا أبدلت وجزمت أن المرأة أبيح لها الالتفات وليس المعنى كذلك . قال النحاس : وهذا العمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون ، والرفع على البدل له معنى صحيح ، وهو أن يكون استثناء من النهي عن الالتفات : أي لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك ، وقيل إن الرفع على البدل من أحد ، ويكون الالتفات بمعنى التخلف لا بمعنى النظر إلى الخلف ، فكأنه قال : ولا يتخلف منكم أحد إلا امرأتك ، فإنها تتخلف ، والملجئ إلى هذا التأويل البعيد الفرار من تناقض القراءتين ، والضمير في ( إنه مصيبها ما أصابهم ) للشأن ، والجملة خبر إن ( إن موعدهم الصبح ) هذه الجملة تقليل لما تقدم من الأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات ، والمعنى : أن موعد عذابهم الصبح المسفر عن تلك الليلة ، والاستفهام في ( أليس الصبح بقريب ) للإنكار التقريري ، والجملة تأكيد للتعليل . وقرأ عيسى بن عمر ( أليس الصبح ) بضم الباء وهي لغة ، ولعل جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم لكون النفوس فيه أسكن والناس فيه مجتمعون لم يتفرقوا إلى أعمالهم ( فلما جاء أمرنا ) أي الوقت المضروب لوقوع العذاب فيه ، أو المراد بالأمر نفس العذاب ( جعلنا عاليها سافلها ) أي عالي قرى قوم لوط سافلها ، والمعنى : أنه قلبها على هذه الهيئة ، وهي كون عاليها صار سافلها وسافلها صار عاليها ، وذلك لأن جبريل أدخل جناحه تحتها فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء ثم قلبها عليهم ( وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ) قيل إنه يقال أمطرنا في العذاب ومطرنا في الرحمة ، وقيل هما لغتان ، يقال مطرت السماء وأمطرت حكى ذلك الهروي ، والسجيل : الطين المتحجر بطبخ أو غيره ، وقيل هو الشديد الصلب من الحجارة ، وقيل السجيل الكثير ، وقيل إن السجيل لفظة غير عربية ، أصله سج وجيل ، وهما